m3rouf alkhoder
أهلاً بكم في المنتدى الخاص بمعروف الخضر يمكنكم تصفح الموقع ولوضع المشاركات يرجى التسجيل
m3rouf alkhoder

منتدى شعري ثقافي

designer : yaser marouf email:y.a.s.e.r.94@hotmail.com

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

سعادة والفلسفة ...د. عدنان أبو عمشة .....بواسطة عبد الإله الهويدي .

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin
عبد الاله الهويدي created a doc.
سعاده والفلسفة د. عدنان أبو عمشة
الفلسفة لدى سعاده هي تحرير الكوامن في الأفكار والمعتقدات والسلوك، أي في الثقافة الكلية بصفة عامة، وإخراجها من حالة الكمون إلى حالتي الإفصاح والإيضاح لتسهيل رؤيتها ومناقشتها.
فإذا كانت الفلسفة هكذا، فهل في الإمكان التفريق بين فلسفة سوريّة وأخرى غير سوريّة؟ أليست الفلسفة هي بحث عن الكوامن في حياة الإنسان العقلية والسلوكية بغض النظر عن قومية الباحث.
عند سعاده نجد أن الأمر ممكن أن يكون كذلك إذا كان البحث مقتصراً على موضوع العلوم الطبيعية والرياضيات أو مثيلاتها من العلوم الأخرى… أما الفلسفة فتتأثر موضوعاتها بوجهات النظر المختلفة. فإذا كان الموضوع المطروح للتحليل ذا صلة بالأصول الثقافية الكلية لهذه الأمة أو تلك،.. أي الموضوعات التي تبنى عليها وجهات النظر إلى موضوعات هامة كموضوعات الحياة والعلم والفنون، فهنا لا بد من أن تجيء النتائج مختلفة، حتى ولو اتفق الفلاسفة جميعاً على طريقة واحدة في بحثها وتحليلها، فهذا هو الأمر الواقع بالنسبة لسعاده، فقد عرضت للناس من مختلف الشعوب والثقافات مشكلات بعينها، نشأت حين أرادوا أن يردوا الأشياء والأفكار والمعتقدات إلى أصولها الأولى، ليعلموا من أي المصادر انبثقت، وبأي الطرق سلكت سبيلها إليهم؟ فكان لكل جماعة من البشر وجهة للنظر، وقعت على الفلاسفة مهمة استخراجها، فنشأت بذلك فلسفات بألوان القوميات المتباينة.
من الشواهد التاريخية لا سيما التي برزت في النصف الثاني من القرن العشرين، أنه كان للأمة السورية، منذ آلاف السنين – وقفة متميزة أمام الحياة والكون والفنون، أفلا يحق لنا في سنوات القرن العشرين الأخيرة، أن نطالب لنفسنا بفلسفة سوريّة، تفصح لنا وللعالم عن دقائق هذه النظرة ومميزاتها؟
لهذا يحضّ سعاده كل المشتغلين من السوريين المعاصرين له، أو الآتين بعده، أن يسهموا في إبداع فلسفة سورية مميزة، وأن يؤسسوا لها.. بدلاً من التكلم في ما يعرفونه عن بعض الفلاسفة الغربيين، أو المفكرين السياسيين الغربيين، أو الذين اكتشفوا اكتشافات علمية، فمثل هذا الكلام لا يكفي لتكوين نهضة من السوريين، ومن رأيه: …إن التكلم عن فولتير وموليير ولينكولن وهيجل ووليم جيمس وكانت وشوبنهور… الخ، وعن مختلف المدارس الفكرية،.. دون أن يكون لنا رأي أو موقف واضح من تلك الأفكار وأولئك المفكرين فلا يعني أن لنا نهضة…(1).
فالفيلسوف عند سعاده ليس من يردد أسماء الفلاسفة ويحفظ وينقل نظرياتهم ويتبناها، بل من يفكر بالحقائق الأساس والمرامي النفسية عينها التي فكر فيها هؤلاء الفلاسفة..(2) لقد جاء في إحدى رسائله إلى الدكتور شارل مالك ما يلي: …إذا أردت التجديد في الفلسفة، ليجيء تجديدك مسايراً للعلم الحديث، فعليك أن تحاكي فلاسفة الغرب وتقتفي أثرهم،.. على أن تكون المحاكاة واقتفاء الأثر هو أن تصنع لهذا العصر ولهذه البلاد مثلما صنعوه لعصرهم ولبلادهم، لا أن تكتفي بأن تكون قارئاً آخر يضاف إلى عشرات الآلاف من القراء والدارسين الواقفين عند هذا الحد… ويبقى سؤالك: ماذا فعل هذا الفيلسوف لعلم عصره، ولخير مجتمعه لأفعل مثله لعلم عصري وخير بلدي؟
فهل هذا هو السبيل إلى إنتاج فلسفي أصيل؟
لقد أثبت دارسوا الفلسفة والمشتغلون بها من السوريين المعاصرين اجتهادهم في حسن تمثل فلسفات أوروبية وأميركية .. الخ، وكفاءتهم في عرضها وتقديمها، ولكنهم ما زالوا بعيدين عن أن يكون بين أيديهم ما يقدمونه إلى أنفسهم وإلى العالم على أنه فلسفة سورية خالصة، يعبرون به عما يدور في عقولهم حيال ما يعرض للعالم اليوم من مشكلات.
من المعلوم أن عالم الفلسفة المعاصرة في أوروبا وأميركا تتوزعه ثلاثة تيارات كبيرة يتجانس كل منها في فلسفته السائدة.
· فالأنجلوساسكون من إنجليز وأميركان تشغلهم فلسفة المعرفة العلمية، يحاولون بها – على اختلافات بينهم – تحليل تلك المعرفة تحليلاً يدلهم على مصدرها الأول.
· واللاتينيون من فرنسيين والمان تشغلهم فلسفة الوجود الإنساني.
· وتشغل الماركسيين مشكلة المجتمع وكيف يقام بناؤه من جديد؟
أما المشتغلون بالفلسفة من السوريين المعاصرين، فقد أخذ كل منهم بما يتفق واستعداده من تلك القطاعات الفلسفية. وإذا استعرضنا إنتاجهم – وقد غدا وفيراً – رأينا أنفسنا أمام أصداء تردد أصوات تلك القطاعات، أو ترى بعضهم قد ترك العصر وما فيه وارتد إلى ركن من التاريخ لاذ به في دراسته، فيدرس نفر من هذا البعض الفلسفة الإسلامية في عصورها السابقة، ويذهب نفر آخر ـ من البعض نفسه ـ إلى دراسة الفلسفة اليونانية القديمة، مكتفياً بها كما يعرضها فلاسفة من الغرب غير منصفين، فلا يجهد نفسه في البحث عن أصول تلك الفلسفة السورية، أو يبرز إبداع أسلافه من الفلاسفة السوريين فيها، ممن سبقوها أو عاصروها، وما أضافوه إليها… وليس في دراسة أي من الفريقين عيب لو تواجد إلى جانبهم نفر آخر يعني بالأمة السورية في وضعها الراهن ويضرب بأدواتها التمثيلية إلى جذورها الفكرية فيصوغ فلسفة معبرة عن وقفتها أمام العصر،.. ومشكلاته وما يعانيه…
والسؤال الآن: هل من طريق أمام المشتغلين بالفلسفة من السوريين يخرجهم من الطريق المسدود التي يذهبون فيها ويجيئون، فيسيرون على طريق فلسفي معاصر يتميز بالطابع السوري المتميز الأصل.. ولو اختلفوا في ما بينهم على أرضه، ولكن في حدود أطره ومبادئه؟
يرى سعاده: إن الفاعلية الفلسفية لا تكون في اعتزال الفيلسوف الناس وقبوعه في عقر داره يعتصر الأفكار اعتصاراً مبتور الصلة عمّا هو كائن، بل يكون في مشاركة الناس في حياتهم وتشخيص مشكلاتهم وتحليلها، والإسهام في ابتكار الحلول المناسبة لها، فتدفع حياتهم نحو الأفضل...
فعلى اتجاهات السوريين الفكرية أولاً أن تربط بين ماضي الأمة السورية وحاضرها، وتجعل منها أمة سورية واحدة ممتدة على التاريخ، وعليها ثانياً أن تضيف إلى أسس ثقافتها وأصولها فروعاً تساير تغيرات العصر، لهذا يتوجب على صاحب الفكر الفلسفي من السوريين أن يتفرغ لتحليل الحياة الثقافية السورية المعاصرة على غرار ما فعل أسلافهم بالنسبة إلى ثقافتهم، وإلى مشكلاتهم الفكرية في عصرهم.
في هذا العصر، نشأت في سورية صراعات فكرية جديدة تولدت عن ظروف العصر ومناخه، فكان لا بد للسوريين من وقفة أمامها، وأهم تلك الصراعات الفكرية التي عاناها السوريون من منتصف القرن التاسع عشر، ولا يزالون يعانونها في حدّة، هي الطريقة التي يوائمون فيها بين علوم حديثة أوروبية المنشأ أو أميركية أو غير ذلك -كان لزاماً عليهم أن يتقبلوها كما هي، أو على الأقل، أن يتقبلوا منها ما هم قادرون على متابعته بما لديهم من إمكانيات تعليمية وعلمية ومخبرية- وبين تراثهم الفكري من جهة أخرى.
من العلم أنه قد سادت الحياة الفكرية في سورية خلال المائة والخمسين عاماً الأخيرة تيارات ثلاثة ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا هي:
· تيار يعتصم بالتراث الماضي وحده ويغلق نوافذه دون العلم الحديث الوارد إليه، ويقصر استعماله لمصطلح "العلماء" على الملمين بالتراث الفكري وحده بصفة عامة، والديني بخاصة. وهناك تيار آخر يناقض التيار السلفي ويرتمي في أحضان العلم الوارد ـ بغض النظر عن مصادره ـ مغلقاً نوافذه دون تراثه.
من ذلك نلاحظ أن كلا التيارين قد اختار لنفسه الطريق السهل، فما أيسر على المرء من أن يعبر عصور التاريخ إلى الوراء ليجعل من نفسه نسخة مكررة مما كان، وكذلك هي حال المرء من التيار الثاني، فمن السهولة أن يعبر البحر الأبيض المتوسط، أو يركب طائرة ليصل إلى مناهل العلم في أوروبا أو غيرها من القارات، فيجعل من نفسه نسخة مكررة مما هو كائن هناك، وكلا التيارين لا يصنع لسورية ثقافة سورية معاصرة.
· ولا يزال تيار ثالث يتحسس خطاه على الطريق بغية أن يسهم في صياغة سورية معاصرة، فيها من العلم الحديث وتكنولوجيته، وفيها من التراث العريق وأصالته، يتفاعلان ليكوّنا وحدة عصرية واحدة، ولو استطاع إلى ذلك سبيلاً لوفق إلى إشباع حاجات السوريين.
إن الصراع بين مقتضيات العلم ومقومات الإنسان والرغبة في إيجاد الحل الذي يوفق بينها فيزيل الصراع، وهو ما اختلجت به نفوس السوريين منذ مطلع القرن العشرين، فترقبوا صاحب الفكر الفلسفي الأصيل النافذ، ليغوص في أعماق الثقافة السورية فيستخرج الصيغة المرغوب فيها، التي يقرؤها فيجد نفسه منعكساً فيها.. ولم يطل ترقبهم كثيراً حتى جاء سعاده.
إن ما أنجزه سعاده خلال سنوات عمره القليلة ـ وما يحاول أن ينجزه بعض مريديه من المؤمنين بصحة العقيدة السورية القومية الاجتماعية الملتزمين بها، بعد استشهاده يشكل إسهاماً في تطمين حاجات السوريين في مواجهة مشكلات بلادهم وعصرهم.
فماذا أراد سعاده ؟
أراد للمواطن السوري أن يولد من جديد ولادة تتقاطع عندها خصائص الماضي وملامح الحاضر وتطلعات المستقبل، ولادة تضيف جديداً يتميز عن القديم، بما يضمن ارتقاء حياة الأمة السورية نحو الأفضل والأكمل والأجمل..
لقد شهد تاريخ الأمة السورية فترات وفترات فارق فيها جمود الحياة وفارقته، وشهد أيضاً فترات أصابها من الجمود وقرّبها من الموت… فكثر الخلق والإبداع في الحالة الأولى وكثر الأفراد الأعلام الذين أبدعوا وأنتجوا فلسفة وعلماً وفناً وعدلاً، وتحول الناس في الحالة الثانية إلى قطعان بشرية، تدرك وجودها من همجية أصحابها، لكنك لا تستطيع أن تميز حرفاً أو مقطعاً مما تقول، لقد تجانسوا بالجهل وبقلة الوعي وبالإيمان بالخرافات.
لقد أراد سعاده للمواطن السوري أن يولد من جديد ولادة يتخطى بها الحالة الثانية المنكودة إلى حيث أسلاف تركوا خلال آلاف السنين على دروب الثقافة مواقع لن تمحوها رياح أو تقتلعها عواصف، ثم يجاوز هؤلاء الأسلاف أنفسهم بجديد يساير به ركب العصر الذي يعيش فيه.
إن عملية الولادة قد بدأت فعلاً منذ أن عقد سعاده العزم هو وبعض رفقائه الشباب في العام 1932 على تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومع ذلك، ورغم مرور 65 سنة على تأسيسه ما زالت بعيدة عن مرحلة اكتمالها، فهي لم تزل الأمة تعاني حالة عناد وفوضى تحجب عن الأعين الفاحصة وضوح الرؤية فلا تدري ماذا تكون بعد عشرة أعوام أو أكثر، وبالرغم من ذلك تبقى نقطة البداية هي الشرارة التي انقدحت بعد بيات شتوي طويل، وساعة انقداحها اضطربت صفوف وانقسمت نفوس أشتاتاً: فرأى بعض الناس الخطأ فيما رآه غيرهم صواباً، وتجمعوا مجموعات، ما تجمعت مثلها حول صحة فكرة أو صواب رأي، تتباين تباين ألوان الطيف..
من هذه المجموعات مجموعة جزعت من الجديد الذي جاء به سعاده ومشايعوه واعتبرته يستهدف التسلط والسيطرة فلاذت منه بمكمن التراث، فإذا كتب كاتب من هذه المجموعة جاءت كتابته محاكية الكتابات التي ظهرت في القرون الأولى من الدعوة إلى "الإسلام-المسيحي" إذا كان "مسلماً-مسيحياً" أو رجع أربعة عشر قرناً إلى الوراء، فكتب مثلما كتبوا في ذلك الزمان إذا كان الكاتب "مسلماً-محمدياً" وكأن هذه القرون العديدة التي تفصلنا عن أسلافنا هؤلاء لم تذهب من عمر الزمان.
ومنها مجموعة أخرى هربت من جديد سعاده فلاذت بالثقافة الأوروبية والأميركية الجديدة، وفرحت بها فرح الأطفال باللعب والهدايا، يقلبونها ولا يفككونها أو يحللونها، ويلمسونها من السطح لا يتعمقونها، هؤلاء كان يفزعهم ما يقوله سعاده عن الأمة السورية وتراثها الثقافي العريق، وأن الواجب يملي عليهم ضرورة الإسهام في بعثه حياً لتحيا سورية.
وبين مجموعتي التمسك بالتراث والتقاليد أو الأخذ بالثقافة الأوروبية الحديثة تتوزع جماعات وجماعات، منها من يحاول التأليف بين دعوة المجموعتين السابقتين فيمسك بالتراث بيد ويمسك بالأخرى ما يأتيه من الغرب ويحسب أن الجمع بينهما ممكن، ومنهم من يرفض الدعوتين معاً، فلا هو تعلم من التراث شيئاً ليعرفه، ولا هو يرضى بقبول الثقافة الغربية خوفاً من اتهامه بالتبعية، وأمثال هؤلاء كثر في سورية، والأمل معقود أن يأتي إنتاجهم خطوة على طريق الإبداع الذي يحاولونه خطوة يسيرة من أجل ارتقاء سورية.
مثل هذا القول السلفي نجده في الأدب والتربية، فهل في وسع الفلسفة أن تسهم في ذلك بنصيب، وعلى أيّ صورة يمكن أن يكون هذا الإسهام؟.
وفقاً لكتابات سعاده فإن الفلسفة عنده لم تكن يوماً ترفاً فكرياً بقدر ما كانت موقفاً فلسفياً جديداً ورؤية فلسفية جديدة ونظرة جديدة إلى الحياة والعالم. إنها شأن من شؤون النهضة هدفها البناء النفسي للأمة السورية، وبعث مثلها العليا المستمدة من تراثها الثقافي وعراقتها الفكرية .
لقد كان سعاده معنياً ومهتماً غاية الاهتمام بالإبقاء على الفكر الفلسفي في سورية حراً ومستقلاً، تحريراً له من التبعية، ودفعاً به إلى الخلق والإبداع، فكان شاغله صياغة فلسفة جديدة لها موقفها من الاتجاهات الفكرية السائدة في العالم المعاصر من ناحية، ومعبرة عن النفسية السورية وأصالتها وجمالها وعمقها ونظرتها إلى الحياة والكون والفن من ناحية أخرى،.. فنقطة الابتداء عنده حصول مثل هذه النظرة الفلسفية …(3). وهذا أمر جعله يتقدم في رسم تخطيط أولي لما قد يصح أن يكون أساساً لفلسفة سورية تقام تعبيراً عن وجهة نظر للحياة والكون والفن منبثقة عن جذور ثقافية غائرة في أعماق النفوس السورية…
نظر سعاده إلى الوجود والإنسان والتاريخ والفرد والمجتمع والقيم الإنسانية والمعرفة والإرادة والعقل… نظرة تطمح إلى تغيير المجتمع السوري السلفي، وإقامة مجتمع جديد وقيم جديدة مناسبة.. على أساس نظرته الفلسفية إلى الحياة والكون والفن …،
1- نظرته إلى الوجود :
فبحثه في الوجود جاء ملبياً – كما سلف القول – لنداء صدر من أعماق وجدان السوريين، ومبنياً على مبدأ انبعث عنه ولا يزال ينبعث سائر أحكامهم في مختلف الميادين، قوامه التفاعل بين العوامل الروحية والعوامل المادية، رافضاً جعل الوجود كله كائناً واحداً متجانساً جميعه في أنه روح صرف أو مادة صرف وهو يرفض أيضاً الثنائية: -مادة- روح التي تشطر الوجود إلى شطرين على مستوى واحد من الأصالة والأولوية، ومن رأيه أنه لا الروح خلقت المادة ولا المادة سبقت الروح بل هما يتفاعلان معاً، وعن تفاعلهما هذا وجد الوجود كما هو موجود. ففلسفة سعاده تعتمد مبدأ تفاعل الأساسين: المادي والروحي للحياة الإنسانية تفاعلاً متجانساً يحيي ويعمر الثقافة ويسيّر الحياة نحو أرفع مستوى(4).
2- الفرد في فلسفة سعاده :
يعارض سعاده – في نظرته إلى الفرد – مبدأ أفلاطون الذي اقترب من ثنائية جعلت الأولوية للمطلق المجرد على الأفراد والجزئيات، فبلغ بذلك حداً ألغى معه وجود الأفراد وجوداً حقيقياً، بما في ذلك أفراد الإنسان أنفسهم، وعند أفلاطون ليس للفرد الإنساني الواحد من حقيقة إلا بمقدار ما يشارك في الإنسانية بمعناها المجرد. أما في عقيدة سعاده القومية الاجتماعية فتلقي على أفراد الإنسان تبعات ما يعملون أفراداً، وترفض طمس الفرد الإنساني في عجينة واحدة مع سائر مفردات العالم الطبيعي، وتجعل له إرادة حرة في مواجهة قوانين الطبيعة، وتحمّله مقابل حريته تلك المسؤولية الكاملة عن نتائج أعماله.
فالوجود بنظر سعاده ليس الوجود الفردي، الفرد في المجتمع والمجتمع هو الكل الذاتي(5) والفرد في حدّ ذاته، وضمن ذلك الحد، مجرد إمكانية إنسانية(6) فلا يمكن – في اعتقاد سعاده – أن نجد تطبيقاً لمفهوم كان يفكر ويعي ويختار ويشعر خارج عمليات الاجتماع، وبالتالي لا يمكن للفرد أن يوجد في حالات غير اجتماعية، فلو أزلنا عن الوجود الفردي كل خصائصه الاجتماعية، لأزلنا عنه بالضرورة كل خصائصه الإنسانية، فوضع الفرد خارج العملية الاجتماعية يعني بالضرورة تجريده من معنى الوجود الإنساني، فيصير بذلك مجرد إمكانية إنسانية.
في مبحث مفاهيم الفرد في الفلسفة نواجه تنوعاً نختار منه التالي:
· مفهوم الفرد ككائن مستقل على نحو مطلق، وهذا المفهوم ميتافيزيقي يقترب من مفهوم "الموناد" في فلسفة "ليبينتز"، فالفرد – وفق هذا المفهوم- كائن قائم بذاته، مكتف بذاته، وليس له امتداد لأي وجود آخر، إنه ينمو من الداخل باستقلال مطلق.
· مفهوم الشخص : وهو مفهوم علاقي، فالأنا فيه لا تقبل التحليل بعيداً عن الآخرين، فوجود الإنسان هو بالضرورة وفقاً لهذا المفهوم هو وجود مزدوج: فهو يمتلك ذاتاً تنحل بالضرورة إلى "أنا" أمام "أنت"، أي تنحل إلى "نحن" وهذه الـ "نحن" هي البنية الجوهرية للوعي الشخصي.
وغاية القول: فإن هذا المفهوم يزيل استقلالية الفرد المطلقة من ناحية، ولكنه يضمن للفرد وجوداً مميزاً خاصاً به.
· مفهوم الفرد ككائن مستقل نسبياً.
ظهر هذا المفهوم في وقت لاحق في التاريخ نتيجة حصول تغيرات جذرية في الثقافة الإنسانية تناولت عوامل الإنتاج الاقتصادي وما تبعه من تغيرات في طرق التنظيم الاجتماعي.. يقول سعاده: بروز هذا الفرد كان حادثاً عظيماً في ارتقاء النفس البشرية وتطور الاجتماع الإنساني، وعاملاً حاسماً في التاريخ.
ومختصر القول: أين وجود الفرد في فسلفة سعاده، غير مستقل ولا يحقق خارج المجتمع بل ينحصر في السياق الاجتماعي، فليس لأمثال "حي بن يقظان" نصيب في الوجود في نظام سعاده الفلسفي.
3- الفرد والمجتمع:
لا يضع سعاده الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية في المستوى نفسه من حيث التحقق والبروز، فهو يتكلم عن استعداد الفرد لبروز شخصيته، في الحين الذي يتكلم فيه عن اكتساب الجماعة شخصيتها، وهذا يعني أن بروز شخصية الفرد تابع لشروط وأوضاع معينة، وأن تكون شخصية الجماعة. سابقة عليه، والأسبقية هنا أسبقية واقعية اجتماعية.. والمشكلة هنا ليست في إثبات وجود الشخصية الفردية أو نفيها، إنما هي في العلاقة بين شخصية الفرد وشخصية الجماعة وفي رأي سعاده أن الأسبقية الواقعية الاجتماعية التي للجماعة على الفرد تحدد العلاقة بينهما على النحو التالي: فالجماعة تطبع الفرد بطابع نفسي يحمل خصائص نفسيتها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يتمتع الفرد بعد نشأة شخصيته – بقدرة على التجاوب مع حياة الجماعة غير محددة بصورة حتمية، إذ إنها مشروطة بنوعية إدراك الفرد لذاته ولعلاقته بجماعته وإدراكه لشخصيتها ونفسيتها ومصلحتها ووضعيتها العامة.. وهذا كله يبرز دور الفرد الفعال في الحياة الاجتماعية كما يراه سعاده، فأين صحة الإدعاء القائل: إن فكر سعاده الاجتماعي لا يعترف للفرد بدور؟
4- سعاده والتوتاليتارية:
يتفرع مما تقدم أن مذهب سعاده ليس مذهباً "توتاليتارياً"، فتقديم المصلحة العامة على المصلحة الجزئية لا يقرر الطابع التوتاليتاري للفكر بأن الذي يقرره هو كيفية النظر للدولة وعلاقتها بالفرد والمجتمع.
يقول سعاده: ..إذا تحقق خير الكل، وجد الكل في هذا التحقق ما يرضي القيم الإنسانية التي يفيض خيرها على مجموع الشعب(7).
5- الموقف من الفكر الليبرالي:
ولا يقتصر سعاده على رفض الفكر "التوتاليتاري" بل امتد ليشمل رفضه للفكر الليبرالي القائم على الفرد الذي يعتبر الدولة وسيلة أو هيئة، الغاية منها إفساح أكبر مجال لكل فرد لتحقيق أكثر ما يمكن من الفائدة لذاته الخاصة، فأدى ذلك إلى استعباد الإنسان وإلى صراع الطبقات على مستوى الأمة وعلى مستوى الأمم.
سعاده في رفضه لهذين الفكرين: التوتاليتاري والليبرالي، يختار لنفسه موقفاً فلسفياً مستقلاً ونظرة للحياة جديدة تقوم على مبدأ التفاعل المنقذ للإنسان من الفلسفات الجزئية الجامحة المادية أو الروحية.
وخلاصة القول: فإن فلسفة سعاده تبقي من الإنسان جانباً يستعصي على البرمجة والتقنين، إنه جانب فريد، خلاق، مسؤول عن خلقه وإرادته، يبتكر الفعل ابتكاراً قد يغير به تسلسل الأسباب والمسببات كما تتصوره العلوم الطبيعية.
6- الأخلاق:
تقوم الأخلاق في فلسفة سعاده على أساس الواجب لا على أساس المنفعة ، وهذا لا ينفي أن الواجب قد يجيء مصحوباً بنتائج نافعة فوق كونه واجباً، لكنه يبقى واجباً يجب أن يؤدي قبل التفكير في ما يترتب عليه من ضرر أو منفعة.
7- القيم الجمالية:
معايير الجمال، لا سيما في الفنون والآداب في فلسفة سعاده تختلف عن مثيلاتها في غيرها من الفلسفات، فإذا كان جمال الفن عند هذه الفلسفات هو في تشكيل الفن لوناً أو صوتاً أو حجراً أو خشباً.. الخ تشكيلات تخاطب الحواس قبل كل شيء، فهي جميلته في فلسفة سعاده بقدر إسهامها في حلّ مشكلات المجتمع السوري ، ومساعدتها له على تجاوز معوقات ارتقاء الحياة فيه نحو الأفضل والأكمل والأجمل…
8- النظرة إلى الكون:
تقول فلسفة سعاده في نظرتها إلى الكون بوجود عالم الكائنات المقيدة في وجودها بمكان وزمان معينين . وبوجود عالم يتعالى عن أي صفة تحدد له زماناً ومكاناً، وهي تعزف عن التعامل مع الفكر الغيبي واعية للإنصراف إلى شؤون الوجود.. يقول سعاده: - لسنا من الذين يصرفون نظرهم عن شؤون الوجود إلى ما وراء الوجود، بل من الذين يرومون بطبيعة وجودهم إلى تحقيق وجود سامٍ وجميل في هذه الحياة ، وإلى استمرار هذه الحياة سامية وجميلة(Cool.
9- المعرفة :
ويتفرع عن تلك النظرة الثنائية إلى الكون نظريته في تحليل المعرفة الإنسانية حيث يقف الإنسان في مواجهة العالم، وتتصدى للإجابة التساؤل التالي:
كيف يتاح للإنسان أن يعرف العالم الذي حوله معرفة يركن إلى صوابها؟
من المعلوم أن الفلاسفة يختلفون بشدة في تحليلهم، وهو اختلاف كان له أبلغ الأثر في الحياة العلمية نفسها، ومثال ذلك:
· فالمثاليون يرون أن المعرفة الجديدة بهذه التسمية هي المعرفة التي تبلغ حدّ اليقين، وهذه لا تتحقق إلا في الرياضيات، وأصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى معالجة الظواهر الطبيعية على أسس الرياضيات ومناهجها..
· ويذهب التجريبيون إلى أن المعرفة العلمية لا يمكن أن تنبثق من العقل وحده أو من منهج الرياضيات وحده، بل لا بد من تجارب تمارس بالملاحظة أو بالمخبر لتصل إلى قوانين الطبيعة في شتى مظاهرها.
· أما سعاده فلا يرى رأي المثاليين أو التجريبيين، وعنده أن للمعرفة المطلقة طريقها، ولمعرفة الطبيعة وكائناتها طريقة أخرى، ويرفض الخلط بين الطريقتين: فمنهج العلوم الطبيعية يقوم على مشاهدة الحواس. وعلى إجراء التجارب وعلى سلامة التطبيق فلا يعنيه من الدنيا إلا ظواهرها فلا يهتم بالنفاذ إلى ما وراء تلك الظواهر، فالعلوم ليس لها وراء، فهي مقتصرة على الظواهر وحدها يتعقبها الباحث رصداً ووصفاً وتحليلاً وتصنيفاً، ليستخلص منها ما عساه أن يكون هناك من قوانين مطردة تنتظم حدوثها، أما المعرفة المطلقة فتعتمد على الحدس والإشراق وتأتي بنتائج يصعب التدليل على صحتها أو بطلانها.
وغاية القول: فإن المعرفة بالنسبة لسعاده تعطي الوجود قيمة، فالوجود بذاته لا يصبح حقيقة إلا بمعرفة الإنسان له، يقول سعاده: "لا بد لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين:
الأول : الوجود بذاته، بمعنى أن يكون الشيء موجوداً.
الثاني : أن تقوم المعرفة لهذا الوجود.. فالمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة، لا يمكن أن تكون لها دونها.
ثم يقول: المعرفة لا تخلق موضوعها، ولكنها تجعل منه موضوعاً داخلاً في عالم الوعي الإنساني، وذا قيمة إنسانية.
10- العقل :
والعقل في فلسفة سعاده، سبيل لمعرفة حقائق الوجود، يقول سعاده: "العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساس، هو موهبة الإنسان العليا، هو التميز في الحياة، فإذا وضعت قواعد تبطل التميز والإدراك، تبطل العقل، فقد تلاشت ميزة الإنسان الأساس، ويبطل أن يكون الإنسان إنساناً وانحط إلى درجة العجماوات المسيرة بلا عقل ولا وعي".. ثم يضيف: "ليس في فلسفتنا ما يجعل للحدس والتميز درجة أعلى على العقل والمنطق… والعقل يعين الأهداف ويفعل في الوجود، ليدرك الوجود ويتبصّر فيه، وليقرر قيم الأشياء"(9).
ويبرز ناصيف نصار "أهمية العقل عند سعاده، فهو أسمى قوة في الإنسان، فعليه أن يستعمل هذه القوة أولاً في حدود وجوده الحياتي، سواء في مجال المعرفة أم في مجال العمل"(10).
يقول سعاده: نحن قوة فاعلة في هذا الكون، إذا كان الله قد خلقنا وأعطانا مواهب فكرية، وأعطانا عقلاً نعي به ونفكر ونقصد ونعمل، فهو لم يعطنا هذا عبثاً، لم يوجد العقل الإنساني عبثاً، لم يوجد ليتقيد ولينشل، بل وجد ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميز، ليعين الأهداف وليفعل في الوجود، وفي نظرتنا أنه لا شيء مطلقاً يمكن أن يعطل هذه القوة الأساس، وهذه الموهبة الأساس للإنسان.
وفي النهاية فإن سعاده لا يصنف كفيلسوف عقلاني مثالي رغم تمجيده العقل وإعلائه من شأنه، بل يكتفي بتحكيمه في العقل والسلوك، ويتقدم عليه في الأهمية مبدأ فاعلية الحياة وما تنطوي عليه من خصائص النمو والتجديد والإبداع، فهي التي أبرزت العقل، وأكدت دوره وجعلته نوراً يضيء الطريق أمام إرادة الحياة وفاعليتها…
11- التغيير :
والآن بعد هذه الجولة السريعة في فلسفة سعاده يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: ما الذي دفع سعاده إلى تأسيس قضيته السورية القومية الاجتماعية والدعوة إليها، وتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي ليناضل في سبيل انتصار هذه القضية وتحقيق غايتها؟
يقول سعاده: …كان أول ما يتبادر إلى ذهني هذا السؤال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ وفي إجابته يقول: لم أكن أطلب الإجابة على السؤال المتقدم من أجل المعرفة العلمية فحسب، وإنما كنت أريد الجواب من أجل اكتشاف الوسيلة الفعالة لإزالة أسباب الويل.. وبعد درس أولي منظم قررت أن فقدان السيادة القومية هو السبب الأول في ما حل بأمتي وما يحلّ بها… ولا تعود السيادة القومية إلا بتغيير واقع هذه الأمة، يقول سعاده: …إن إدراكنا لحقيقة التغيير الذي شرع الحزب السوري القومي الاجتماعي يحدثه في حياتنا القومية، يجعلنا لا نغفل عن طبيعة التغيير وما يصحبه من حوادث..
فما طبيعة التغير المقصود؟
التغير هو انتقال من حال إلى حال، وهذا التغير لا يشمل البداية فهو ليس منها، ولا النهاية فهو لم يصلها، فالتغير هو الواقعة بين الحالين: حال البداية وحال النهاية، (..)
عصر التغير هو عصرنا وعلينا أن نعي وقائعه، فلا تزيغ أعيننا إلى ماضٍ تركناه أو يشطح بنا الخيال إلى مستقبل نتمناه لا نملك بعد وسائله.. لابأس على الإنسان أن تستقر حياته على قواعد ثابتة إذا ما حقق الغايات المرغوب فيها، أما وهو لا يزال يسعى، يناضل، يبذل الجهد ليصل، أي وهو في مرحلة التغيير فصاحب القواعد الجامدة الثابتة محكوم عليه بالضياع، فالقاعدة الأولى من قواعد التغيير هي أن لا تكون هناك قاعدة تسد طريق المبادرة والخلق والإبداع. إن الجديد لم يتجدد بعد حتى تجوز وضع القواعد له أو تسن القواعد له، فالجديد لا يزال في طريق الصنع ونحن الذين نصنعه في مرحلة التغير هذه، فنبتكر لكل موقف ما يلائمه ولكل مشكلة بما يناسبها، وإننا إذ نشكل المواقف تتشكل في صورتنا الجديدة، فلا بد أن يكون من صفات هذه المرحلة البرمجة، فيبرمج التغيير وفق مدد وفترات مناسبة، وبصورة مستمرة، وأن يأتي شاملاً لنظم الأسرة والتعليم والاقتصاد والسياسة…الخ، فلا يقف عند القائم منها كأنه الأزل الذي لا يبيد.
لقد رسم أفلاطون حقائق الأشياء أمامه صوراً لا تتبدل ولا تتغير، ورأى أن على الأشياء في دنيا الواقع أن تقترب من تلك النماذج ما استطاعت… ورسم أرسطو حقائق الأشياء أمامه إحساساً وأنواعاً لكل منها تعريف ثابت أزلي أبدي، يضعه حيث هو من بقية الأشياء لكن حقائق الأشياء لا تثبت هكذا ولا تستقر إلا حين تجمد أوضاع الحياة على حال ساكنه يرضى عنها الإنسان، أما حين يزول عنها هذا الرضى ويهم بالانتقال إلى حال أخرى، فعندئذ تكون حقيقة الكائنات أنها تتغير بخاصة الإنسان، ولا يعيبه وهو في مرحلة التغير أن تهتز القيم وتضطرب المعايير، فلا ينبغي أن تكون لشيء أو لفكرة أو لوضع أو لنظام حصانة تصونه من النقد، إن كل الأشياء والأوضاع والأفكار والنظم نريد أن تتغير وتتجدد، فكيف يتم هذا إذا لم تقع ضمن نطاق النقد لكي تتكشف حقيقتها.
إن الحكم على المستقبل قياساً على الماضي لا يكون إلا في حالات الثبات والاطراد، أما في حالات التغير فلن يجيء المستقبل على صورة الماضي وغراره، وبالتالي لا يحق لأحد أن يحكم بالذي كان على الذي سوف يكون، أي لا يجوز للتقاليد أن تكون حكماً، فالتقاليد هو محاكاة الكائن لما كان، ولو جرت هذه المحاكمة لجاء الغد كالأمس، وهذا لا يثير عجباً لو كنا في حالة مستقرة من تاريخنا، أما ونحن نتغير فمحال للغد أن يحاكي الأمس. (..)
· إنه التغيير من حال التجزئة إلى حال الوحدة ومن حال التخلف إلى حال التقدم ومن حال التبعية إلى حال التحرر، من تجزئة وتخلف وتبعية الوطن السوري والمواطنين السوريين إلى وحدتهم وتقدمه وتحررهم.
من العلم أولاً أنه كان من موروثات العصر العثماني تجزئة المواطنين إلى طوائف وملل ومذاهب وإلى ملتزمين وفلاحين..الخ، وقد جاء في مقدمات عصر الاستعمار الغربي تجزئتها بين المنتصرين إلى كيانات، والتخلي عن أجزاء هامة من الوطن السوري إلى أمم مجاورة، وتقديم الدعم اللازم والكافي لتحقيق المشروع اليهودي-الصهيوني-الاغتصابي لجزء من الوطن بالعدوان وتشريد سكانه بالظلم..
وبعد سنوات الانتداب منح أصحابه كيانات الوطن استقلالها، فحافظت على كياناتها وبالتالي على تجزئة الوطنين وضاع ثلث مساحة الوطن العربي سلباً واغتصاباً من أمم مجاورة وأخرى معتدية.
ومختصر القول: فالوطن السوري في عصرنا، مجزأ إلى كيانات منفصلة بعضها عن البعض الآخر، وإلى كيانات سليبة من أراضيه أو اغتصب، وتوحيد مواطنيه اجتماعياً وروحياً وقومياً وسياسياً.
من حقائق التاريخ، أن الأمة السورية هي التي فجرت الثورة الزراعية، فنقلت البشر من حال الالتقاط والصيد إلى حال الإنتاج وحفظه وتخزينه ثم مبادلته، ونسعى اليوم إلى نقل هذه الأمة إلى مرحلة الصناعة المؤتمتة بالكامل ثم إدخالها عصر الإلكترون والتحكم من بعد – أي إسهامها في إبداعات وابتكارات الموجة الثالثة على حد تعبير (توفلر) – وتهيئتها للدخول في الألف الثالثة بعد ميلاد السيد المسيح موحدة محررة متقدمة.
لو تحقق التغير الذي يريده سعاده، لانتقل الإنسان السوري من فكر إلى فكر ومن حياة إلى حياة، ومن أخلاق ومعايير أخلاق إلى أخلاق ومعايير أخلاق جديدة… إنه ينتقل من ثقافة الكلام إلى ثقافة التشكيل الذي يغير به وجه الأرض، ثم يبدل وجه تاريخ أمته.
د. عدنان أبو عمشة
مصادر الدراسة
(1) أنطون سعاده: الآثار الكاملة، منشورات عمدة الثقافة والفنون الجميلة في الحزب السوري القومي الاجتماعي – بيروت .
(2) عادل ضاهر: الإنسان والمجتمع، منشورات مواقف – بيروت 1980.
(3) عدنان أبو عمشة: سعاده والفلسفة القومية الاجتماعية.
(4) ناصيف نصار: طريق الاستقلال الفلسفي، دار الطليعة للطباعة والنشر - بيروت ط2، 1979.
الهوامش
(1) سعاده: المحاضرات العشر ط 1960، ص 27.
(2) سعاده: شروح في العقيدة، ص 10.
(3) سعاده: في الصراع الفكري في الأدب السوري (سلسلة الآثار الكاملة) ص 49.
(4) سعاده: المحاضرات، ص 72 – ص 99.
(5) سعاده: المحاضرات، ص 166.
(6) سعاده: المحاضرات، ص 61.
(7) سعاده: المحاضرات، ص 30.
(Cool سعاده: المحاضرات، ص 96.
(9) سعاده: المحاضرات، ص 115.
(10) ناصيف نصار: طريق الاستقلال الفلسفي… ص 88.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://m3rouf.mountada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى