m3rouf alkhoder
أهلاً بكم في المنتدى الخاص بمعروف الخضر يمكنكم تصفح الموقع ولوضع المشاركات يرجى التسجيل
m3rouf alkhoder

منتدى شعري ثقافي

designer : yaser marouf email:y.a.s.e.r.94@hotmail.com

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

في ذكرى رحيله : علي الوردي وتقويض المنطق الأرسطي ( الصوري ، القديم )

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin


د. حسين سرمك حسن : في ذكرى رحيله ؛ علي الوردي وتقويض المنطق الأرسطي (الصوري، القديم)

Posted: 25 Jul 2013 07:02 AM PDT

hussein sarmakلقد شن الوردي حملة شعواء على المنهج الصوري منذ أول كتبه وهو ” خوارق اللاشعور – 1952 ” الذي فنّد فيه أسس هذا المنهج بصورة تفصيلية ومبسطة حيث بين أن القوانين الثلاثة التي تحكم مسار هذه الطريقة في التفكير بعيدة جدا عن الواقع بحيث صار المناطقة القدماء غير قادرين على التمييز بين حياة الفكر وحياة الواقع ، فعقولهم محلقة في سماء الفكر في حين أن أبدانهم تعيش في أرض الواقع . لقد ناقش الوردي المباديء الثلاثة في أكثر من مؤلف وهي التي تعد أساسا جوهريا للمنطق الأرسطي فيقول :
(( لنبدأ أولا بمبدأ العقلانية . وهو يعني الثقة المطلقة بالعقل وبمقدرته على اكتشاف الحقيقة . فقد كان الفلاسفة يعتقدون أن هناك طريقين للمعرفة لا ثالث لهما هما الحسّ والعقل ؛ أما الحس فهو معرض للخطأ دائما ، ولم يبق إذن من طريق للمعرفة الصحيحة إلا طريق العقل . وينقل الوردي رأيا لإبن مسكويه يرى فيه أن العقل له مقدرة طبيعية في الحكم على المحسوسات وتبيان الخطأ والصواب . وهذه القدرة ليست مستمدة من الحواس إنما هي منبعثة من العقل نفسه . يعلق الوردي على هذا الرأي قائلا :
(( خلاصة رأي ابن مسكويه هذا الذي هو رأي جميع الفلاسفة تقريبا … أن العقل له مقدرة طبيعية في الحكم … إن هذا هو الذي جعل الفلاسفة يستنكفون من النزول إلى مستوى الأمور المحسوسة ليستقرئوا الحقائق منها كما يفعل علماء العصر الحديث … لقد وجّه الغزالي هذا الإعتراض فعلا ، فكان جواب ابن رشد عليه أنه قال : ” من المعروف بنفسه عند الجميع أن ها هنا ali alwardi 5سبيلا يفضي بنا إلى الحق ، وإن إدراك الحق ليس بممتنع علينا في أكثر الأشياء . والدليل على ذلك أننا نعتقد اعتقاد يقين أننا وقفنا على الحق في كثير من الأشياء ، وهذا يقع به اليقين لمن زاول علوم اليقين . ومن الدليل أيضا على ذلك ما نحن عليه من التشوق إلى معرفة الحق . فإنه لو كان إدراك الحق ممتنعا لكان التشوق باطلا ، ومن المعترف أنه ليس ها هنا شيء يكون في أصل الجبلة والخلقة باطلا .. )) .
يعترض الوردي على كلام ابن رشد فيقول :
(( الغريب أن ابن رشد يحاول البرهنة على صحة الكليات العقلية عن طريق هذه الكليات نفسها . فهو يقول : إننا ما دمنا نتشوق إلى معرفة الحق فلا بد أن يكون إدراك الحق ممكنا . وبرهانه في ذلك ؛ أنه لا يجوز أن يكون هناك في أصل الجبلة والخلق شيء باطل . فإذا سألناه : من أين جئت بهذه الكلية العامة ؟؟ قال : إنها من الأمور المعترف بها ، أي أنها من الأمور التي أجمع على بداهتها العقلاء ….
مهما يكن الحال ، فإن الفلاسفة العقلانيين كانوا في مختلف أطوارهم يستهينون بأمر الحس إذ هو في نظرهم لا يوصل إلى الحقيقة المطلقة ، وليس من سبيل للوصول إليها عندهم إلا سبيل العقل على شرط أن لا يستعين في ذلك بالحس على أي وجه من الوجوه …
كان فلاسفة الأغريق خاصة يحتقرون كل ما من شأنه استخدام الحواس وهو احتقار مرجعه في أغلب الظن إلى احتقار الجسم بالنسبة إلى العقل حيث كانوا يعتقدون بأن الجسم كتلة مادية فانية بينما العقل كائن روحاني خالد … ولهذا كانوا يقدرون من يستخدم عقله أكثر مما يقدرون من يستخدم جسمه . فالمفكر أفضل من العامل . وقد اقترح إفلاطون أن يتولى قيادة الناس ” فيلسوف ” ، وكان من أفحش الأخطاء السياسية في نظره أن يشترك ” عامل ” في إدارة الحكم . وعندما نبغ أرخميدس في العلوم التجريبية وصنع الآلات اعتذروا عنه بأنه اضطر إلى ذلك اضطرارا ، كأن اشتغاله بصنع الآلات عمل لا يليق بالرجل المفكر من الطبقة العالية)) (322) .
ويرى الوردي أن هذا السبب من الأسباب الفعالة التي جعلت الأغريق القدماء وكذلك المسلمين ينبغون في العلوم الرياضية بوجه خاص لأنها علوم عقلية محضة ، أو هي حسب التعبير المنطقي ” صورية ” وليست ” مادية ” أو حسية . ولم تتطور العلوم التجريبية في العصر الحديث إلا بعد أن هبطت النزعة العقلانية عن عرشها القديم . وينبه الوردي إلى أنه لا يريد الإنتقاص من النزعة العقلانية فقد كانت خطوة تقدمية عندما نشأت لدى الأغريق أول مرة ردّا على التفكير الديني والسحري .
وفي إطار معالجته للمبدأ الثاني : مبدأ السببة أو العلية الذي يرى أن جميع حوادث الكون تخضع لقانون صارم هو تعاقب السبب والنتيجة ، أو العلة والمعلول . ويرى الوردي أيضا أن اكتشاف مبدأ السببة كان في وقته خطوة تقدمية في مواجهة التفكير الخرافي .. لكن هذا المبدأ أصبح عقبة تعرقل سير التقدم العلمي حين أفرط المناطقة في تعميمه وإشاعته على كل شيء . فهناك الكثير من الظواهر التي ينكرونها لأن العلم لم يكتشف أسبابها حتى الآن مثل ظواهر ” الخارقية ” .
أما المبدأ الأخير من مباديء المنطق الأرسطي وهو مبدأ الماهية فإن الوردي يفكك مرتكزاته الثلاثة وهي : قانون الذاتية وقانون عدم التناقض وقانون الوسط المرفوع .
فالقانون الأول الذي يسمى قانون الذاتية ومعناه أن الشيء هو هو ثابت لا يتغير قد ثبت بطلانه مع حقائق الفيزياء الحديثة . أما القانون الثاني وهو قانون عدم التناقض وخلاصته أن الشيء لا يمكن أن يكون فاقدا وحائزا لصفة معينة في آن واحد فالشيء في نظرهم مثلا: إما أن يكون حقا أو باطلا . أي أن الحقيقة مطلقة . وقد ثبت الآن أن الحقيقة المطلقة غير موجودة، وأن ما يحكم حركة الكون هو مبدأ التناقض ( الديالكتيك ) . أما القانون الثالث ويسمى قانون الوسط المرفوع ومعناه أن العالم مؤلف من جانبين لا ثالث لهما : الحق والباطل ، الجمال والقبح … إلخ . وهذا ما نسفته العلوم الحديثة التي أثبتت أن الوجود ممتد لا انفصال فيه .
وقد يعتقد القاريء أننا إنما نتحدث عن مسلمات متفق عليها . لكن يمكنننا أن ندرك درجة معاناة الوردي آنذاك حين نضع في أذهاننا طبيعة الظروف المعرفية والاجتماعية التي كانت سائدة في العراق في الخمسينيات وكون رجال الدين من أشد المتمسكين بهذا المنهج ، وهذا يعني أن الحملة على هذا المنهج تعني صداما معهم ومع ثوابت كلاسيكية شديدة الرسوخ في التفكير . والوردي واصل الهجوم على المنطق الصوري طول حياته وفي كل مؤلفاته اللاحقة مثل أسطورة الأدب الرفيع ووعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري ومنطق ابن خلدون وغيرها . وقد عانى كثيرا من هجمات رجال الدين عليه . ويكفينا القول إن الشيخ جلال الحنفي ظل يهاجم الوردي منتصرا للمنطق الصوري حتى قبيل رحيل الوردي في منتصف التسعينيات . وفي إحدى مقالاته كاد الحنفي يوصل الوردي إلى مرحلة حساب عسير جدا من قبل السلطات المسؤولة وذلك حين اعترض الوردي في محاضرة للفنان “يوسف العاني” عن القيم البغدادية بحضور أمين بغداد آنذاك ، ونقل الحنفي كلاما مبالغا فيه عن رأي للوردي في الكيفية التي يبرر بها أصحاب المنطق القديم أفعال الخليفة العباسي ” هارون الرشيد ” وقد عاتب الوردي الحنفي عتابا شديدا وصحح ما نقله الأخير على صفحات الصحف . وكان محور الخلاف الجذري هو النظرة إلى المنطق الأرسطي الذي كان الشيخ الحنفي من أشد المنافحين عنه ، والنقد الذي وجهه الوردي للخلفاء القدماء وأهمهم هارون الرشيد والذي ترتبت عليه تهمة الشعوبية التي إتهم بها الوردي وكادت تكلفه الكثير .
خلاصة وجهة نظر الوردي حول المنطق الأرسطي هو أنه ” منطق كينونة ” في حين أن منطق العلم الحديث هو ” منطق صيرورة ” ، فالكون كله ، بمختلف ظواهره ، يُنظر إليه الآن باعتباره في صيرورة دائبة وتغيّر مستمر . ونحن لا نستطيع أن نفهم الأشياء فهما واقعيا إلا إذا نظرنا إليها بمنظار التغير والصيرورة . لقد بنى ” هيجل ” نظريته على أساس أن التناقض أصيل في طبيعة الأشياء ، وبهذا هدم جزءا كبيرا من المنطق القديم الذي قام على أساس عدم التناقض . ثم جاء داروين بعد هيجل بنظريته المشهورة فجعل التطور “موضة ” العصر . وكان سبب التطور لديه هو التنازع الذي لا يختلف في أساسه المنطقي عن التناقض ، فلم تبق أهمية للحقائق المطلقة الثابتة التي قال بها المناطقة القدماء .لقد كان المنطق في الماضي – حسب الوردي – فوتوغرافيا فأصبح الآن سينمائيا .
ينتقل الوردي بعد ذلك إلى مناقشة : ( المنطق الأرسطي في الإسلام ) فيبين أنه رغم الخلافات حول الزمن الذي ترجم فيه المنطق الأرسطي ( هل هو في العهد الأموي أم في صدر العهد العباسي ؟! ) إلا أن المفكرين الإسلاميين انقسموا إزاءه إلى قسمين متضادين : منهم من اعتنقه بحرارة وجعله مكملا للقرآن ، ومنهم من انتقده وحاربه وكان شعاره : ” من تمنطق فقد تزندق ” . ويؤكد الوردي على أن الذين انتقدوا هذا المنطق في العصر الحديث كان هدفهم الدعوة إلى منطق جديد هو منطق العلوم التجريبية والدراسات الواقعية أما المنتقدون المسلمون القدامى فقد واجهوه دفاعا عن العقيدة الدينية والاحتفاظ بسلامتها في النفوس . ولا يُستثنى منهم سوى مفكر واحد هو ابن خلدون الذي نقد المنطق الأرسطي لكي يبين قصوره عن فهم الحياة الإجتماعية كما هي في الواقع . ويرى أن الغزالي وابن تيمية – قبل ابن خلدون – هما أعظم من نقد المنطق الأرسطي في القرون الوسطى كلها ، سواء في أوروبا أو في البلاد الإسلامية . وهما وإن كانا قد نقدا المنطق في سبيل غاية دينية إلا أنهما قد توصلا إلى آراء لا تقل من بعض وجوهها عن آراء الفلاسفة الحديثين . ولكن قبل ابن تيمية والغزالي هناك “الشُكاك” الذين سبقوهما في نقد المنطق ، وهم مجموعة عجيبة ظهرت في العالم الإسلامي وكان تأثيرها في تفكيره وحضارته مشابها إلى أثر السفسطائيين في الحضارة الأغريقية . هؤلاء كانوا يقولون : ” كل ما ثبت بالجدل ، فبالجدل يُنقض ” . أعقب هؤلاء الجاحظ الذي ويا للغرابة ، مؤمن تماما بالقياس المنطقي لكننا نجده يطرح نظرية قريبة من آراء علماء الإجتماع المحدثين في ” اجتماعية المعرفة ” حيث يناقض النزعة العقلانية ويرى أن العقل البشري لا يستطيع أن يرى الحقائق الخارجية رؤية صحيحة تامة لأنه محدود في مجال معين ، مثله في ذلك مثل البصر. ويقطع الوردي أن لهذه النظرية أثرا كبيرا في تشكيل فكر الغزالي الذي نراه ينتقدها في كتبه تارة ويؤيدها تارة أخرى . ويقول عنها : ” إن هذا الرأي ليس بمحال عقلا ولو ورد به الشرع لكان جائزا ” .
ينتقل الوردي إلى مناقشة دور الغزالي في التعامل مع المنطق الأرسطي فيبين أن الغزالي هو الذي لفت أنظار المسلمين إلى أهمية المنطق وإلى وجوب دراسته . ويعتبر هذا العمل من الغزالي نقطة تحول في موقف المسلمين تجاه المنطق الأرسطي . فبعد ما كان أكثر الفقهاء ينظرون إلى المنطق نظرة تحريم واحتقار أصبحوا بتأثير الغزالي يهتمون بدراسته ويستعملونه في علومهم المختلفة ، ومنهم من عد تعلم المنطق فرض كفاية على المسلمين . لكن الغزالي يستخدم أسماء أخرى للمنطق هي المحك والمعيار والميزان ليس لكي يتفادى غضب معاصريه من الفقهاء حسب بل – حسب وجهة نظر الوردي – لكي يشير إلى أن المنطق آلة ذات استعمال محدود . وبهذا فإن الغزالي يختلف عن الفلاسفة القدامى في أنه يرى أن البرهان المنطقي قاصر عن أن يصل بالإنسان إلى اليقين . يعتقد الغزالي أن الإيمان والدين يجب أن يقوما على ما جاء به الوحي والكشف الصوفي .. لأن الحقائق الكلية تعجز عقولنا عن فهمها .. فيشبه بذلك الفيلسوف كانط الذي ظهر بعده بسبعة قرون .. وهو يشبه أيضا في نقده لمبدأ السببية الفيلسوف الإنكليزي ” هيوم ” .
أما ابن تيمية فيرى الوردي فيه رأيا غريبا لا يرتبط بـ ” الأرثوذوكسية ” التي قعد عليها العقيدة الإسلامية فأوقف بذلك النزعة البحثية والمعرفية في الحياة الإسلامية . يرى الوردي – في قراءة مغايرة – أن ابن تيمية من الشخصيات الفلسفية الكبرى في الإسلام (( وهو في نظري ، يلي الغزالي من حيث قوة الإبداع الفكري ، لا سيما فيما يتصل بالناحية المنطقية . ولكن ابن تيمية يختلف عن الغزالي في ناحية أخرى . فقد رأينا الغزالي في أواخر أيامه ييأس من الناس ويعتزل الحياة .. أما ابن تيمية فقد ظل مشاركا للناس في حياتهم يكافح فيها كفاح المستميت حتى وصل به الحال مرة أن لبس لامة القتال واشترك مع الجيوش العربية في محاربة المغول قرب دمشق عام 702 ، وكان إيمانه وحماسته في المعركة من عوامل النصر على المغول . ولم يسلم ابن تيمية من الاضطهاد والسجن لجرأته وصراحته في الإعلان عن رأيه . وقد انتهى الأمر به أخيرا أن مات في السجن )) (323) .
ويرى الوردي أن أهم ما قام به ابن تيمية في هذا المجال هو تشكيكه في الكليات العقلية العامة التي كان المناطقة يجعلونها مقدمات لأقيستهم المنطقية .. فهذه الكليات في نظر ابن تيمية ليست ضرورية ولا بديهية ولا وجود خارجي لها . إنها من الأمور النسبية التي يختلف الناس في تقييمها ؛ ” الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان ” . وفي ” خلاصة الفصل ” يختم الوردي هذا الفصل بالقول :
(( لاحظنا في هذا الفصل أربع حركات فكرية تنتقص من أهمية النزعة العقلانية والمنطق الأرسطي .. وحين نصل إلى ابن تيمية نراه يرتفع إلى القمة في نقده للمنطق أو ما أسماه في أحد كتبه بـ : “نقض المنطق” …. يأتي ابن تيمية أخيرا لينقض معظم البناء الذي شاده الفلاسفة العقلانيون قديما. إنه يرى كأن المعرفة البشرية نوعين : دينية وطبيعية . ففي المعرفة الدينية لا حاجة بنا إلى استعمال المنطق . إذ أننا يجب أن نستمدها من ” السلف ” الصالح ، ولا مجال هنا لأن نتمنطق أو نتجادل فنفسد بذلك ديننا أو تعاليم سلفنا . أما في المعرفة الطبيعية فالتمنطق لا يوصلنا إلى علم يقيني . إن العلوم الطبيعية في نظر ابن تيمية تجريبية أكثر مما هي قياسية استنباطية . والمعرفة الصحيحة فيها هي تلك التي تلصق بالواقع الجزئي تستمد منه قواعدها ، ولا تبتعد عنه محلّقة في عالم الكليات العقلية العامة ))(324) .
ويختم الوردي الفصل هذا باستنتاج خطير على مستوى ” الإبستمولوجيا ” الإسلامية حيث يقدم رأيا لم أجد من يتفق معه فيه خصوصا من الباحثين العرب المعاصرين ، حيث يقول :
(( أكاد أعتقد أن ابن تيمية في محاولته هذه أساسا للمنهج الإستقرائي الواقعي الذي نجده واضحا لدى ابن خلدون . ولو أتيح للحضارة الإسلامية أن تواصل نموها وازدهارها بعد هذه الفترة التي ظهر فيها ابن تيمية وابن خلدون ، لربما رأينا المنهج الإستقرائي يتطور أكثر مما رأيناه على يد هذين المفكرين العظيمين ))(325) .
يواصل الوردي تفكيكه للمنطق الأرسطي في الفصل الثالث من ” منطق ابن خلدون ” ولكننا نمسك هنا – من خلال الإستهلال – بحفزة لاشعورية يُسقط فيها الوردي مكبوتاته على ابن خلدون الذي ” لم يوضح منهجه المنطقي توضيحا مركزا يجعل القاريء يفهم ما يريد من النظرة الأولى . فقد جاءت نقداته المنطقية متفرقة هنا وهناك في ثنايا المقدمة ، حتى أصبح من العسير على القاريء متابعتها … أضف إلى ذلك أن أسلوب ابن خلدون بوجه عام ليس بالأسلوب المتناسق الذي يوضح بعضه بعضا كثيرا )) (326) .
يعزو الوردي هذه الضبابية في أسلوب ابن خلدون إلى ” الخلق الدبلوماسي ” الذي يتمتع به هذا المفكر ، ولكن في الحقيقة – وبعد خطوات – سنجد الوردي وبصورة غير مباشرة – يسمه بميسم الإنتهازية والخيانة :
(( والظاهر إن الخلق الدبلوماسي الذي اشتهر به ابن خلدون جعله لا يفصح عن آرائه إفصاحا تاما . كأنه كان يخشى أن يثير عليه بعض الذين تغضبهم تلك الآراء ، فهو يراوغ ويداور ، ويمطط فيها تارة ويقتضيها تارة أخرى . وأعترف أني لم أستطع أن أفهم مقاصد ابن خلدون إلا بعد أن قرأت مقدمته عدة مرات قراءة إمعان واستقصاء . وفي كل مرة أقرأ المقدمة فيها أكتشف منها وجها جديدا من آراء ابن خلدون … ومن يدريني فربما أكون حتى هذه الساعة بعيدا عن فهم ابن خلدون كما هو في حقيقة أمره )) (327) .
تتكشف مقدرة الوردي على فهم الطفرة الخلدونية من خلال مراجعة أفكار ابن خلدون في مرتكزات المنطق الأرسطي والتي لم يستطع الكثير من الباحثين الذين درسوا هذه الأفكار تفسيرها بالصورة المطلوبة مثل الباحثين جميل صليبا وكامل عياد في كتابهما : ” المنطق وطرائق العلم العامة ” والدكتور ” طه حسين ” في كتابه ” فلسفة ابن خلدون الاجتماعية ” الذين يرون أن ابن خلدون خالف الغزالي في مبدأ السببية أو أنه يؤمن بمبدأ السببية كما تقول به الفلسفة العقلانية . فالوردي يرى : (( أن تأثير الغزالي كان واضحا في تحديد موقف ابن خلدون من مبدأ السببية ، ولكن الأخير امتاز على الأول من حيث تأكيده على عجز العقول البشرية أن تفهم كيفية تأثير الأسباب في الحوادث ، وهنا يقرب ابن خلدون من الاتجاه العلمي الحديث . إنه يقول كالغزالي إننا عرفنا مبدآ السببية من طريق العادة ، ولكنه يعود فيقول بأن هذه العادة قد تكون مخطئة لأن علمنا بالأسباب محدود . ولهذا وجب أن نقطع النظر فيها ونتوجه إلى الله خالق الأسباب )) (328) .
وحتى في مبدأ العقلانية فأن تأثير الغزالي في أفكار ابن خلدون كان أكثر وضوحا . فابن خلدون يرى كالغزالي أن العقل البشري محدود وأنه غير قادر على النظر في حقائق الكون إلا ضمن نطاق معين لا يجوز أن يتعداه . ، وقد استخدم ابن خلدون نفس عبارات الغزالي حيث شبه العقل بالميزان ، ولكنه ذهب في نقد العقل إلى أبعد مما ذهب إليه الغزالي . فالغزالي يعتقد أن العقل عاجز عن فهم الأمور الإلهية ، أما ابن خلدون فإنه يعتقد أن العقل قاصر عن فهم الأمور الإجتماعية علاوة على الأمور الإلهية . يظهر هذا واضحا في فصلين من فصول ” مقدمته ” هما : ” في أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها ” و ” في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها ” وفيهما يظهر بما لا يقبل الشك موقف ابن خلدون المناقض للمنطق الأرسطي حيث يؤكد على قصور المنطق لأن النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة غير يقينية ، وهي لا تطابق ما هو موجود في الخارج ، ويتساءل : ” اللهم ما يشهد به الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين ، فأين اليقين الذي يجدونه فيها ؟ )) (329) .
ويرى الوردي أن ابن خلدون قد طوّر رأي الغزالي بصورة قد لا ترضي الأخير الذي كان يرى أن هناك نوعين من المنطق أو الميزان الفكري : المنطق الأرسطي وهو يصلح لجميع العلوم عدا التي تبحث الأمور الإلهية ، والمنطق الكشفي الذي يبحث في الأمور الإلهية . أما ابن خلدون فهو يؤمن بوجود ثلاثة أنواع من المنطق :
- الكشفي وهو يصلح للبحث في الأمور الإلهية والروحية
- العقلاني ويصلح لبحث الأمور القياسية كالهندسة والحساب وما أشبه
- الحسّي ويصلح لبحث الأمور الاجتماعية والسياسية وما أشبه
وقد استعمل ابن خلدون هذه الأنواع المنطقية الثلاثة في حياته الفكرية . فهو يعترف أولا أنه كتب مقدمته تحت تأثير الإلهام الآني كما يفعل المتصوفة ، ثم نراه ثانيا ينسق كثيرا من فصول مقدمته على نمط من ترتيب الأدلة يشبه ما يفعله المناطقة وعلماء الهندسة ، وهو أخيرا يحاول استقراء معظم أفكاره من الواقع الاجتماعي المحسوس )) (330) .
ومن كشوفات الوردي في إعادته قراءة التراث الخلدوني هو موقف ابن خلدون من موضوعة ” المادة ” والتي من المؤسف أن الدارسين لابن خلدون لا يعيرونها الأهمية الكافية . ومنهم من فهم ” المادة ” في ضوء المفهوم الحديث لمعنى المادة ، مع العلم أن ابن خلدون كان يقصد بالمادة معنى يختلف عن معناها الحديث … وأقرب المصطلحات الحديثة إلى مفهوم “المادة” عند ابن خلدون هو “المحتوى” أو ” المضمون ” ، في حين كان المنطق القديم يهتم بشكل الأفكار أو صورتها دون محتواها ، أي أنه كان مشغولا بالكليات العقلية العامة فلا يبالي بما في الواقع من محتوى ” مادي ” . وجاء ابن خلدون ثائرا على هذا المنطق الصوري . فهو يريد من المفكرين أن يكونوا أولي منطق ” مادي ” وأن يقارنوا الأمور بأشباهها ويقيسوا الغائب منها على الحاضر ، وأن يفرقوا بين الصور الذهنية المجردة وبين الوقائع المادية الخارجية (331) .

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://m3rouf.mountada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى